الشيخ محمد رشيد رضا

85

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

قلوبهم ، وترامقوا بالعيون يتشاورون في الانسلال من المجلس خفية لئلا يفتضحوا بما يظهر عليهم من الانكار والسخرية بالوحي ، قائلا بعضهم لبعض بالإشارة أو العبارة : هَلْ يَراكُمْ مِنْ أَحَدٍ أي من الرسول والمؤمنين إذا نحن انصرفنا كارهين لسماعها ثُمَّ انْصَرَفُوا يتسللون لواذا إلى مجامعهم الخاصة بهم ، والتعبير بثم لبيان تراخي فعلهم عن وقت قولهم ، إلى سنوح فرصة الغفلة عنهم ولو افرادا ، فكلما لمح أحد منهم غفلة من المؤمنين عنه انصرف صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ هذه الجملة تحتمل الدعاء والخبر ومضمونهما النهائي في كلام اللّه واحد كما تقدم نظيره قريبا . والمعنى صرف اللّه قلوبهم عن صدق الايمان ، والاهتداء بآيات اللّه في القرآن ، المرشدة إلى آياته في الأكوان بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ اي بسبب انهم قوم فقدوا صفة الفقاهة الفطرية وفهم الحقائق وما يترتب عليها من الاعمال ، لعدم استعمال عقولهم فيها ، فهم لا يفقهون ما يسمعون من هذه الآيات لعدم تدبرها ، والاعراض عن النظر والتأمل في معانيها ، وموافقتها للعقل ، وهدايتها إلى الحق والعدل ، ذلك بأنهم اتخذوا أنفسهم أعداء وخصوما للرسول ، فوطنوا أنفسهم على الاعراض عن كل ما جاء به من غير بحث ولا تأمل فيه أمعقول أم غير معقول ؟ أحق أم باطل ؟ أخير أم شر ؟ اهدى أم ضلال ، انافع أم ضار ؟ فأنى يرجى لهم وهذه حالهم ان يهتدوا بتعدد نزول الآيات والسور ؟ انما مثلهم كمثل أعداء الاسلام من أهل الملل التي جروا على نظام تعليمي وتربية وجدانية عملية في عصبيتهم الدينية والقومية وارتباط منافعهم الاجتماعية والسياسية بها : لقنهم رؤساؤهم انه يوجددين اسمه الاسلام بني أساسه على عداوتكم لذاتكم ، فيجب عليكم أن لا تنظروا فيه إلا أن يكون للبحث عن مطعن ولو متكلف تلمزونه به ، ولا تفكروا في شيء من حال أهله في دينهم ودنياهم إلا للعداوة والتحقير لهم ، وتدبير المكايد للعدوان عليهم ، وإذا ظهر لكم شيء حسن من دينهم فوجهوا كل قواكم العقلية وبلاغتكم الكلامية إلى تشويهه وذمه والصد عنه ، وهذا ما يفعله رجال الكنائس النصرانية على اختلاف مذاهبهم كما بيناه في غير هذا الموضع ومن المباحث الكلامية في الآيات الخلاف في زيادة الايمان ونقصه ،